ابن بسام

131

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

شياطين الأنام . لا ترد حاجات مواضيه ، ولا تمطله عند تقاضيه ، المغافر المتينة ، ولا الدّروع الموضونة . فصل : قاض يشهد له عدله ، أنّ غلّه سريع حلّه . يقسم نظره بالقسطاس ، بين جميع الناس . حفظ رسالة عمر ، وعمل فيها بما نهى وأمر . لا يبيع القضايا بالهدايا . به عشا ، عن الرّشا . ينام الخصمان ، وهو يقظان . إن عجل فعن استدلال ، وإن عجز [ 1 ] فلتأمّل إشكال . سريجيّ الإجابة ، عمرانيّ الإصابة . فصل : زهاد تركوا العرض ، وأصابوا الغرض . اقترحوا الغنا ، واطّرحوا الغنى . رفضوا المزايل ، وطلبوا الطائل ، وأعرضوا عما يبيد ، وأقبلوا على ما يفيد [ 2 ] . لم يزاحموا على الجيف ، ولا استخدموا بطونهم في تعمير الكنف . تركوا ذلك لمن تركوا ، وقنعوا بأقلّ ما ملكوا ، وجعلوا الزّاد إلى الجنّة ، الأنّة بعد الأنّة ، وظمأ الهواجر ، في شهر ناجر . فكّروا فبكّروا ، علموا فسلموا من العقال ، وتركوا الأعناق [ 3 ] لحمل الأثقال . رجوا فنجوا ، وبنوا فعلوا ، ومهّدوا فرقدوا ، وعملوا فوجدوا . وذكرت بهذا الفصل حديث أبي هريرة قال : قال لي رسول اللّه عليه السلام [ 4 ] : « يا أبا هريرة ألا أريك الدّنيا جمعاء بما فيها ؟ قلت : بلى / يا رسول اللّه . فأخذ بيدي ، وأتى واديا من أودية المدينة ، فإذا مزبلة فيها رؤوس وعذرات في خرق وعظام ، ثم قال : يا أبا هريرة ، هذه الرّءوس كانت تحرص كحرصكم ، وتأمل آمالكم ، ثمّ هي اليوم عظام بلا جلد ، ثم هي صائرة رمادا . وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها ، ثم قذفوها من بطونهم ، فأضحت والناس يتحامونها . وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ولباسهم ، أصبحت والرّياح تصفّقها . وهذه العظام عظام دوابّهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد . فمن كان باكيا على الدنيا فليبك » . قال : فما برحنا حتى اشتدّ بكاؤنا . ووقف سقراط على كسّاح وقد خرج من الحشّ بكساحة [ 5 ] فقال : يا أهل أثينيا ، هذا الذي كنتم تغلقون عليه الأبواب ، وتقيمون لحفظه الخزّان ، وكانت شهواتكم تستخدم

--> [ 1 ] ص : إن عجز . . إن عجل . [ 2 ] ص : يعيد . [ 3 ] ص : أعناق . [ 4 ] الشريشي 5 : 16 . [ 5 ] ص : بكساد .